اعتقال سعود الهاشمي وإخوانه: عبث أمني وتخبط سياسي

كتبهاالحرية للإصلاحييين ، في 15 مارس 2007 الساعة: 18:11 م

06-2-2007
 
لا أدري ما المجتمع المثالي الذي يريده صناع القرار في السعودية، أو الأجهزة الأمنية، هل هو المجتمع الجامد الخامل العالة السلبي النمطي الطيع؟ لكن هذا لن يكون، وإذا وجد فالأمر قاصر على شرائح معينة، لأنه ببساطة يناقض الفطرة ويعاكس طبيعة الإنسان. لا يمكن صناعة مجتمع الممنوعات والمحظورات، كما لا يمكن "عسكرة" المجتمع كله.
 
بقلم خالد حسن
 
صُدمت كما صُدم غيري بخبر اعتقال مجموعة من الفعاليات الاجتماعية في جدة والمدينة النبوية، ومنهم د. سعود الهاشمي حتى لا نقول إصلاحيين، لأنه قد يصور الأمر على غير حقيقته، فلا التهمة واضحة ولا التوقيت له معنى ولا الأشخاص المعتقلون لهم سوابق تحريضية أو مشبوهة، إلا أن تعكس عملية الاعتقال تضاربا بين أجنحة الحكم، وهواجس تيار بعينه في دوائر صنع القرار من أي تحرك "إصلاحي"، أو أي نشاط إعلامي واجتماعي، قد يثير الانتباه ويكسر الجمود ويخرق الموروث، أو استجابة لإملاءات وضعوط خارجية.
 
 
ما تناقلته أكثر وسائل الإعلام من تهم، تتعلق بدعم أطراف مشبوهة في العراق، خاصة فيما يتعلق د. سعود بن مختار الهاشمي ،أمر يبعث على الاستغراب، فالرجل يتحرك وينشط تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية، وأوراقه واضحة وعلاقاته بادية للعيان، فلم التلفيق والافتراء.
 
 
ثم قبل هذا وأثناءه وبعده، لا أدري ما المجتمع المثالي الذي يريده صناع القرار في السعودية، أو الأجهزة الأمنية، هل هو المجتمع الجامد الخامل العالة السلبي النمطي الطيع؟ لكن هذا لن يكون، وإذا وجد فالأمر قاصر على شرائح معينة، لأنه ببساطة يناقض الفطرة ويعاكس طبيعة الإنسان. لا يمكن صناعة مجتمع الممنوعات والمحظورات، كما لا يمكن "عسكرة" المجتمع كله.
 
 
ما أشد غفلة الحاكم "ولي الأمر"، يقدم صريح الضرر على صحيح النفع، يأتي بأباطيل ويصدر أحكاما، سابغا عليها أوصاف الكمال، ثم ما يلبث أن يتأذى بها بوجه من الوجوه. إنه لا حديث عن الإصلاح في أي بلد عربي إلا بإقرار الحريات المشروعة، ومنها حرية الرأي والتعبير للتنفيس عن حالة الاحتقان السياسي، والحجر الأساس في عملي الإصلاح هو استقلالية القضاء، الذي يفترض فيه أن يكون حكما بين الأطراف المتنازعة لا منحازا.
 
 
إن الأجهزة الأمنية بهذا الاعتقال الجائر، عمقت الهوة بين الحاكم وبين الفعاليات المؤثرة، وبدلا من أن يعالج أزمة الحكم التي يتخبط فيها، راح يوري عن تناقضاته العميقة بمصادرة حقوق الآخرين.
 
 
إن الاعتقال الجائر للدكتور سعود الهاشمي وإخوانه، أثبت أن راية الإصلاح التي يلوح بها النظام موجهة لامتصاص الضغط الخارجي والاستهلاك الداخلي، وأن نظام الحكم أو تحديدا جناحا منه، غير مستعد ولا هو مقتنع أصلا بإجراء إصلاحات عميقة، تحفظ للمجتمع كرامته وآدميته، وأن المجتمع يعيش حالة لا توازن، نتيجة تضخم وتغول السلطة وأدواتها الوظيفية على حساب المجتمع، طبقا لمقولة موسوليني الشهيرة: "الدولة هي المجتمع ولا يوجد شيء خارجها"!.
 
 
وإن تضخيم الواجب على حساب الحق أو التفاضل بينهما هو إحدى حيل أنظمة القمع والاستبداد، تستعملها لتفرض عليك دوما مقايضة، تجعل حقوقها أكبر من واجباتها، وواجباتك لا تقارن بحقوقك.
 
 
إن المعركة الحقيقية لا الوهمية التي لا يمكن لتيار الإصلاح في السعودية أن يقفز عليها أو يتخطاها دون خوضها هي معركة الحريات المشروعة. إنه لا أقسى على النفس البشرية ولا انتهاكا للآدمية من مساومة الشخص في أفكاره وقتل الرأي والإرادة فيه، إن هذا فيه مذلة وقتل لكرامته وإنسانيته. وأيا ما كان، فإنه لا توجد قوة في العالم قادرة على منع الأفكار من الدفاع عن وجودها بكل استماتة.
 
 
إن تيارات الإصلاح في السعودية بحاجة ماسة إلى إنضاج الفعل السلمي، والعمل الهادئ والموزون، لرد الاعتبار للإنسان: لآدميته وفكره بعد أن فقد الثقة في قدراته أو كاد، وأصبح يشعر أن لا قيمة لرأيه، بعدما جرى تغييب عقله ووعيه وروحه، وأيضا وهذا مهم للغاية، تنمية الحس الجماعي وما يقتضيه التجمع البشري من تواصل وانتظام وتفاعل وما إلى ذلك، لأنه لا يمكن رد الاعتبار لإنسانيته وثقته بنفسه وقدراته، إلا من خلال قوة الاجتماع والتواصل الحي والفعال.
 
 
وإنما ينضج وعي الإنسان العربي من خلال الانخراط في الفعل السلمي المثمر والبناء، الذي لا وجود له حقا وفعلا إلا بالارتباط الاجتماعي، أو بتعبير أدق إلا من خلال توسيع الشبكة الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب حضورا بارزا وفاعلا لعنصر "الخدمة الاجتماعية" أو "النفع العام".
 
 
إن الفعل السلمي لا ينطلق من فراغ أو يحبس في صور نمطية من الحراك والنشاط، وإنما يتجسد في مظهرين بارزين: أولاهما، الضمير الجمعي والشعور بالانتماء الواسع الذي يتجاوز حدود الجماعة والمصالح الضيقة، وأن قوة الفرد من قوة المجتمع، والشعور بأنه كلما ارتبط الفعل السلمي بعمل واع وعميق وجامع، كلما كان أقدر على الإنتاج والفعالية، وهذا يفرض قدرا من التواصل والتفاعل الذي يحقق مبدإ التعاون. الثاني، الوعي السياسي، الذي لا يعني مطلقا تسييس الوعي أو إفراد الجانب السياسي في الإنسان بالإصلاح والتغيير دون غيره من الجوانب، وإنما هو التعبير السياسي والاجتماعي السلمي من خلال رفع الحصار والطوق عن عقله وفكره تحت أي مسمى كان.
 
 
أتمنى أن يتحرك العقلاء داخل الحكم أو جهاز المباحث لوقف هذا العبث وانتهاك لإنسانية الآدمي وكرامته، وأن يفرجوا عن أحد الفعاليات الاجتماعية، ممن له مساهمات متميزة في مجال "النفع العام" والدفاع عن قيم المجتمع ومواجهة المد الأمريكي في المنطقة ونصرة الشعب العراقي، وأعني به د. سعود بن مختار الهاشمي، وإخوانه، ورد الاعتبار لهم. والكف عن مثل هذه الممارسات القمعية الجائرة التي لا تخدم الحاكم ولا المحكوم.
 

 
 
 
 
http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=8676
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر